ابن عجيبة

385

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : قد وضع الله للناس بيتين : أحدهما حسى ، وهو الكعبة ، والآخر معنوي ، وهو القلب ، الذي هو بيت الرب ، فما دام بيت القلب خاليا من نور الرب اشتاق إلى حج البيت الحسى ، فإذا تعمر البيت بنور ساكنه ، صار قبلة لغيره ، واستغنى عن الالتفات إلى غير نور ربه ، بل صار كعبة تطوف به الواردات والأنوار ، وتحفه المعارف والعلوم والأسرار ، ثم يصير قطب دائرة الأكوان ، وتدور عليه من كل جانب ومكان ، فكيف يشتاق هذا إلى الكعبة الحسية « 1 » ، وقد طافت به دائرة الوفود الكونية ؟ ولله در الحلاج رضي اللّه عنه حيث قال : يا لائمي لا تلمني في هواه فلو * عاينت منه الذي عاينت لم تلم للنّاس حجّ ولى حجّ إلى سكنى * تهدى الأضاحي ، وأهدى مهجتي ودمى يطوف بالبيت قوم لا بجارحة ، * بالله طافوا فأغناهم عن الحرم « 2 » . في هذا البيت آيات واضحات ، وهي إشراق شموس المعارف والأنوار ، في فضاء سماء الأرواح والأسرار ، وسطوع أنوار قمر التوحيد في أرض التجريد والتفريد ، وظهور أنوار نجوم العلم والحكم ، في أفق سماء ارتفاع الهمم ، فهذا كان مقام إبراهيم ، إمام الموحدين ، فمن دخله كان آمنا من الطرد والبعاد إلى يوم الدين ، ومن كفر وجوده ؛ فإن الله غنى عن العالمين . قال في الحاشية في قوله : ( ومن دخله كان آمنا ) ، قيل : وهكذا من دخل في قلب ولىّ من أوليائه ، فإن قلب العارف حرم المراقبات والمشاهدات . ه . وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق . ثم رجع الحق تعالى إلى معاتبة أهل الكتاب ، فقال : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 98 إلى 99 ] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ ( 98 ) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 99 ) قلت : ( تبغونها ) : جملة حالية من الواو ، أي : لم تصدون عن السبيل باغين لها عوجا . والعوج - بالكسر - في الدين والقول والعمل - ، وبالفتح - في الجدار والحائط وكل شخص قائم . يقول الحق جل جلاله : قُلْ يا محمد في عتابك لليهود : يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ السمعية والعقلية الدالة على صدق نبيه صلّى اللّه عليه وسلم فيما يدعوكم إليه من الإسلام ؟ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ مطلع على سرها وجهرها ، فيجازيكم عليها ، فلا ينفعكم التحريف ولا الإسرار .

--> ( 1 ) الصالحون في كل وقت يشتاقون إلى الكعبة المشرفة ، فهي قبلتهم في الصلاة . وإليها يكون حج من استطاع منهم . وهي في بلد ولد فيها سيدنا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، فكيف لا يشتاقون إليها ! ! . ( 2 ) لو أن الله أغنى أحدا عن الحرم لأغنى سيدنا محمدا صلّى اللّه عليه وسلم .